الأربعاء، أكتوبر 21، 2009

الخلط في الإختلاط

اقسم بالله العظيم الذي لا اله إلا هو ... إن حالنا كمسلمين أصبح يدعو للأسف... فبالله عليكم هل بلغ بنا الأمر أن بتنا نحتاج إلى سرد كل هذا التاريخ العظيم لسلفنا الصالح حتى نثبت لفئة من المتشددين، انه لا حاجة للمبالغة والتزمت حد الذهول في موضوع الاختلاط وزعم تحريمه؟

عبد الرحمن الخطيب من القامات والكتاب القلائل الشوامخ في عالمنا العربي الذين يخلصون للقلم، هذا الرجل الفذ الذي أعجب دائما بكتاباته وبمواضيعه الرائعة والتي هي مقالات في شكل بحوث مصغرة... ما أروعك يا استاذنا عبد الرحمن الخطيب، فقد اثبت بالدليل والحجة والمنطق أن هناك خلط في امور الاختلاط... وان دعاة الصحوة والمتشددين والمتأسلمين يريدون أن يكمموا أفواه الناس ويستخدموا أساليب الإقصاء... في زعمهم بحرمة الاختلاط والخلط بينه وبين الخلوة المحرمة شرعا بالنص، وكأني بهم يريدون أن يفصلوا بين الجنسين فصلا تاما ويضربوا بيننا أسوارا من الاوهام، وما علموا أن الأنثى هي أمي وأختي وقريبتي وابنة جاري الخ... ويدركون في غرارة أنفسهم أن ما يدعون اليه مستحيل ومصادم للفطرة والطبيعة... فهم ليسوا اعلم وأفهم من الخالق عز وجل الذي فطر البشر وجميع المخلوقات لتعيش حياة الاختلاط في ادق تفاصيلها، وهذا هو الأمر الطبيعي منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها وبث فيها ذكورا واناثا تمثل مخلوقاته جميعها، وجعل الحياة كذلك ثم ميزنا كبشر بالعقل، وفصّل لنا في رسالاته السماوية الحلال والحرام، والخطوط الحمراء التي يجب أن لا نتعداها، وتركنا لنتسابق في القربى إليه جل جلاله وحسن عبادته بمحاولة الجهاد في النفس ومقاومة الشهوات وغض البصر حتى نقلل ما أمكن من الموبقات والذنوب، لانه ما خلقنا كلنا بانسنا وجننا الا لنعبده عز وجل.

هكذا هي طبيعة الأمور... أن يظل الخير والشر في هذه الحياة يسيران جنبا إلى جنب ليمحص الله الفاجر عن التقي، التقي الذي يستطيع أن يتحكم في عقله فيفوز بمعية الله العلي القدير ويغالب النفس الامارة بالسوء فيصرفها باستخدام عقله عن نواهيه... والذي لا يستطيع تشغيل دماغه فيقل في حبائل الشيطان يبوء بغضب الله... وهنا يكون التمايز بين البشر، حيث ان الشيطان يجري في بني ادم مجرى الدم، وإلا لما كانت الحياة كذلك ولما صلحت واستقامت، ولأصبحنا كائنات أخرى، ربما ملائكة وربما تحولت دنيانا الى جنة ليس على الانسان فيها ان يشقى.

وأترككم مع الكاتب المحترم الجميل عبد الرحمن الخطيب في رحلة في عبق تاريخ سلفنا الصالح ليكشف لنا جانبا مشرقا من حياة الناس آنذاك، وكيف كان الناس في ذلك الزمن الجميل يتعاملون مع النساء ومع الأنثى في رقي يعكس روح الإسلام السمحة.


الخلط في الاختلاط
جريدة الحياة - الاربعاء, 21 أكتوبر 2009
عبدالرحمن الخطيب

هناك من يقول بأن الله حرّم الاختلاط حتى في أماكن العبادة، مستشهداً على ذلك بحديث واحد هو قوله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها» الحديث، إن هذا الحديث يدحض الرأي الذي يقول به هؤلاء، فالحديث يثبت أنه حتى في أقدس مكان وهو المسجد، كان هناك اختلاط بين الرجال والنساء، ولم تكن هناك حواجز البتة، وجلّ ما قاله الرسول الكريم كلمة «خير»، وكلمة خير لا تفيد النهي أبداً في مفهوم أهل العلم الشرعي، وإنما تفيد أنه لا يصح أن يصلي النساء والرجال في صف واحد، وهذا بدهي لا يحتاج إلى استشهاد؛ ولكن يصح صلاة النساء في صفوف خلف الرجال من دون حواجز. ويؤكد ذلك قول سهل بن سعد: «كان الرجال يصلون مع النبي عاقدين أُزُرَهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى تستوي الرجال جلوساً»، وهناك رواية أخرى في «الصحاح» تقول: «كانت تصلي خلف رسول الله امرأة من أحسن الناس، فكان بعض الناس يستقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر تحت إبطه في الصف، فأنزل تعالى في شأنها الآية (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين).

لا يوجد في الشرع نص واحد يحرّم الاختلاط، وفي جميع أماكن العبادة والشعائر الإسلامية الاختلاط جائز، ففي الحج أجاز الإمامان المالكي والشافعي للمرأة الحج مع نسوة ثقات من دون محرم، على رغم صعوبة الطريق، وبعد المسافات، والتعرض للأخطار الجسيمة، وفي الطواف أيضاً، فعن ابن جريج قال: «أخبرني عطاء – إذا منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال - قال: وكيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي مع الرجال؟ قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري، لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن؛ كانت عائشة تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين - وتقصد الحجر الأسود – قالت: انطلقي عنك، وأبت»، ومن الملاحظ هنا أن عائشة، رضي الله عنها، رفضت مزاحمة الرجال؛ لما لزوجات الرسول من خصوصية، بينما في المقابل قالت للمرأة أن تذهب وتستلم الحجر.

كان مجتمع المدينة المنورة قبل وفي عهد رسول الله مجتمعاً تختلط فيه النساء بالرجال، وتشارك فيه المرأة في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية، وكان الرسول يرى في العرف القائم وقتذاك عرفاً صالحاً ولا حاجة لمخالفته، فأقره كما هو، ففي المدينة المنورة كان الرجال والنساء يتوضؤون من إناء واحد، فعن عبدالله بن عمر: «أن النساء والرجال كانوا يتوضؤون على عهد رسول الله من الإناء الواحد»، وفي لفظ آخر «ويُشرعون فيه جميعاً». وقد ذكر بعض المفسرين أن القصد من هذا الحديث هو الرجل وزوجه فقط؛ ولكن هناك أحاديث تنقض هذا التفسير، كحديث عبدالله بن عمر: «كانوا يتوضؤون جميعاً، قلت لمالك: الرجال والنساء؟ قال: نعم. قلت: زمن النبي؟ قال نعم»، أي أن وجه الاستغراب عند مالك يدعو للقول بخلاف التفسير، وفي حديث ابن أبي حازم عن سهل قال: «كنا نفرح يوم الجمعة، قلت لسهل: ولم؟ قال: كانت منا امرأة تجعل في مزرعة لها سلقاً… كنا ننصرف إليها بعد صلاة الجمعة، فنسلم عليها، فتقرب ذلك الطعام إلينا، فكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها». وورد في «فتح الباري» قصة الأسود العنسي والوفود التي كانت تنزل في دار رملة بنت الحارث ما نصه: «فكلام ابن سعد يدل على أن دارها كانت معدة لنزول الوفود... وأن مسيلمة والوفود نزلوا دار بنت الحارث، وكانت دارها معدة للوفود»، وهذه الحادثة وقعت بعد آية نزول الحجاب بسنوات عدة.

وكانت المرأة في عهد الرسول تخالط الرجال وتبيع وتشتري. روى ابن سعد: «أن ريطة بنت عبدالله بن معاوية الثقفية كانت امرأة صناعاً - أي ماهرة في الصناعة - فقالت: يا رسول الله، إني امرأة ذات صنعة أبيع منها، وليس لي ولا لزوجي ولا لولدي شيء، فهل أنفق عليهم؟ فقال: لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم». وروى أيضاًً «أن زينب بنت جحش، زوج الرسول، كانت امرأة صنّاع اليدين، فكانت تدبغ وتخرز وتبيع ما تصنعه»، وأم السائب بن الأقرع الثقفية، كانت تبيع العطر للنبي، وهناك قيلة أم بني أنمار التي قالت للرسول: «يا رسول الله إني امرأة أبيع وأشتري»، وعاتكة بنت خالد الخزاعية، التي نزل النبي وصاحبه أبو بكر الصديق ودليلهما عبيدالله بن أريقط، في خيمتها، التي سميت في ما بعد بـ «خيمة أم معبد»، وخيمتها تلك كانت مثل مطعم أو دكان لبيع الأطعمة في وقتنا الحاضر.

جاء في «أخبار مكة» للفاكهي، وفي «أخبار مكة» للأزرقي أن أم بني أنمار كان لها دار تسمّى دار أم أنمار القارية، وكانت برزة من النساء، وكانت رجال قريش يجلسون بفناء بيتها يتحدثون، وأنها استقبلت النبي في مجلسها.

وروى مسلم في (صحيحه) «أن أم شريك كانت كثيرة الضيفان»، وقصة الجساسة وقعت في آخر حياة الرسول، لأن فاطمة بنت قيس ذكرت أنها بعد انقضاء عدتها سمعت النبي يحدث بحديث تميم الداري، وأنه جاء وأسلم، وتميم الداري أسلم سنة تسع للهجرة، أي بعد نزول آية الحجاب.

وفي (صحيح البخاري) عن سهل بن سعد قال: «لما أراد أبو أسيد الساعدي أن يتزوج أم أسيد، حضر رسول الله في نفر من أصحابه، وكان هو الذي زوجها إياه، فصنعوا طعاماً، فكانت هي التي تقربه إلى النبي ومن معه»، قال ابن حجر في شرح الحديث: «وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك».

استمرت الحال في عصر الخلفاء الراشدين على ما كانت عليه أيام النبي في مشاركة المرأة في مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية، فكانت المرأة المسلمة آنذاك تظهر خارج بيتها وفي الأسواق تبيع وتشتري، فعن الربيّع بنت معوذ بن عفراء قالت: «دخلت في نسوة من الأنصار على أسماء بنت مخربة، أم أبي جهل، في زمن عمر بن الخطاب، وكان ابنها عبدالله بن أبي ربيعة يبعث إليها بعطر من اليمن، وكانت تبيعه إلى الأعطية، فكنا نشتري منها»، وذكر صاحب «الإصابة» أن الحولاء العطارة، صحابية كانت تبيع العطر في المدينة. قال صاحب «العقد الفريد»: «قال إسحاق: إن أبا السمراء قال له: حججت فبدأت بالمدينة، فإني لمنصرف من قبر رسول الله، وإذا بامرأة بفناء المسجد تبيع من طرائف المدينة، وإذا هي في ناحية وحدها وعليها ثوبان خلقان». وروى الميداني أن عمر مر يوماً بسوق الليل – من أسواق المدينة المنورة – فرأى امرأة تبيع اللبن ومعها بنت شابة، فوقف عليها وقال: من هذه منك؟ قالت: ابنتي، فأمر عاصماً ابنه فتزوجها.

وفي العصرين الأموي والعباسي كانت النساء في الجزيرة العربية ما تزال يسرن على عادة الاختلاط التي نشأن عليها، قال متمم العبدي: «خرجت من مكة زائراً قبر النبي، فإني لبسوق الجحفة إذ جارية تسوق بعيراً، فقلت لها: ألك أبوان؟ قالت: لي أم. فنظرتُ فإذا امرأة تبيع الخرز على ظهر الطريق بالجحفة»/ وفي «معجم البلدان» لياقوت الحموي: «كان لامرأة من الحجاز نُزل، سنة 100هـ، في موضع بين المدينة ومكة اسمه (مَلَل) وكانت تعمل به، وتتقاضى أجر المنامة، وتقوم على خدمة النزلاء»، كما ورد في «أعلام النساء» «أن عائشة العجمية كانت تاجرة في القرن الثامن الهجري»، وكانت تتردد على مكة المكرمة للتجارة، على رغم أن وسائل السفر كانت جداً شاقة، وقطع المسافات يأخذ شهوراً طويلة، إضافة إلى مخاطر الطريق.
__________________

0 التعليقات:

إرسال تعليق